السبت، 16 أغسطس، 2008

الفيزياء و فن الرسم

لست بصدد الحديث عن طرق استخدام الخدع البصرية و الأجهزة الليزرية و التصوير المجسم (الهولوجرام) و غيرها من المبادئ و الأجهزة الفيزيائية؛ لتصميم أشكال و ألوان فنية. بل سأخبركم كيف ساهمت الفيزياء في إثبات أو نفي بعض الأخبار التاريخية المرتبطة بالفن، و تحديدا فن الرسم.

فباستخدام نوع خاص من أجهزة البحث و التي تسمى المعجلات الجسيمية (المسرعات)، و هي التي تعمل على تسريع بعض الجسيمات الأولية (كالالكترونات التي تشكل جزءا من الذرة، أو البروتونات التي تشكل جزءا من نواتها)، يقوم العلماء بفحص طبقات بعض القطع و اللوحات الفنية، ليخروجوا بنتائج توثيقية.

فعلى سبيل التمثيل، اكتشف العلماء أن الأفغان كانوا قد سبقوا الأوروبيين في استخدام الزيت لغرض الرسم. و قد كان الاعتقاد السائد أن الأخيرين هم أول من رسم اللوحات الزيتية، و استمر هذا الاعتقاد لمئات السنين.
غير أن دراسات العلماء لقطع فنية أفغانية كانت موجودة في كهوف خالية تقبع خلف تمثالي بوذا اللذين فجرتهما طالبان في العام ٢٠٠١م، أدت من خلال فحص تلك القطع التي تعود إلى منتصف القرن السابع الميلادي إلى تبيان تلك الحقيقة.

و كان مجموعة من العلماء من اليابان تلتهم مجموعة من العلماء الأوروبيين، قد فحصوا تلك العينات باستخدام الأشعة الصادرة من المعجلات الدائرية (السنكروترون Synchrotron)، و تلك الأشعة تتفاوت ما بين أشعة تحت حمراء و أشعة سينية، مما مكن العلماء من دراسة طبقات القطعة الفنية لأجزاء أصغر من السنتي متر بعشرة آلاف مرة (أو جزء من المليون من المتر، أو ما يسمى بالميكرومتر).

و في شأن فني آخر، أثبت بعض الفيزيائيين من فرنسا أصالة تسعة أعمال فنية (من أصل سبعين) منسوبة إلى الرسام الشهير فان جوخ Van Gogh، و ذلك بعد أن شك بعض المهتمين بشأن الفن بأنها مزيفة و مقلدة. و قد استخدموا طرقا أخرى غير المجلات الدائرية المذكورة آنفا، و هي ما يعرف بتقنية الميكروفلوريسيت حيث يدرس العلماء طيف الضوء المنعكس عن اللوحة بعد تعريضها لأشعة أكس (السينية)، فيتمكنوا بذلك من معرفة المواد المستخدمة في رسم اللوحة، و هو ما وافق نوع المواد التي كانت تستخدم في عصر فان جوخ.

و أخيرا، و في شأن آخر و لكن للرسام “فان جوخ” نفسه، فقد كان يعرف عنه أنه رسم بعض أعماله فوق أعمال أخرى بسبب عدم اقتناعه بالأخيرة. و باستخدام التقنية المعجلات الدائرية و الأشعة السينية و لكن بطرق تقنية محدثة؛ استطاع علماء من هولندا و بلجيكا أن يظهروا تفاصيل رسمة تصويرية لوجه امرأة اختبأت تحت إحدى أشهر لوحات “فان جوخ” و التي تعرف بـ”رقعة العشب Patch of Grass”.




هذا غيض من فيض كما يقال، عن الدور الذي يأخذه علم الفيزياء و وسائله و تقنياته في عالم الفن. و أترك لكم تأمل ما سبق!




الفيزياء و الحج

قد يبدو غريبا للقارئ العام أن يكون للفيزياء أثرا في تطوير الحج! و لكنه أمر بدهي عند العلماء لأن دراسة الموائع (السوائل و الغازات) له صلة بدراسة حركة البشر في المناطق المكتظة، و في مكة خير تمثيل لهذا الشأن.

علم الحركة و انسياب الموائع، هو أحد مجالات الفيزياء الذي سمح لنا بفضل الله في تسيير المراكب إلى الفضاء، و إرسال الأقمار الصناعية إلى الأفلاك حول الأرض. و هو نفسه الذي مكننا من تطيير الطائرات و تطوير انسيابيتها، و كذا السيارات، و الغواضات، و السفن و غيرها. فعلم الحركة يعنى بالحركة أيا كانت و أيا كان صاحبها، سواء أكان من الأحياء أم الجوامد.

لذلك، عندما كثرت مشاكل الحج، و خصوصا عند الجمرات حيث تحصل الإختناقات و يقع الدهس في أحايين كثيرة، و عندما وجد القائمون على الحج أن السيطرة الأمنية العامة لا يمكنها وحدها أن تحل المشكلة؛ استعان المسؤولون بعالمين فيزيائيين من ألمانيا**، لهم باع طويل في دراسة أنماط الحركة و التدفق البشري، و أسباب و كيفية حدوث الكوارث البشرية الناتجة عن الزحام.

و قاما بدعم من الجهات المسؤولة و بمشاركة مسؤول سعودي بدراسة لقطات تم تصويرها بالفديو في حج عام ١٤٢٥هـ، حيث انتشرت الكاميرات الخاصة بهذه الدراسة في أرجاء مشاعر الحج. و نتج عن ذلك تحليل للموقف، و كيفية تحول السير الطبيعي إلى السير ثم التوقف المفاجئ ثم الاضطراب (و هنا تقع الكارثة). و بعدها تم اقتراح تغيير تصاميم الجسر و المناطق المحيطة به، و تحسين طريقة الإنسياب، لتكون من عدة جهات، و ليكون السير في اتجاه واحد، و غير ذلك من التوصيات.

و عندما نفذت الدولة مشكورة تلك التوصيات، بان أثرها واضحا على حجج ما بعد ذلك العام، و لله الفضل من قبل و من بعد. و بهذا يتضح لنا دور الفيزياء في تطوير و تحسين مرفقات الحج، لينعم المسلمون بحج سليم مخطط له بدقة في سبيل خدمتهم، و لا حرم الله مسؤولينا الأجر.

ربما يحسن لي أن أختم بتذكير القراء، أن المسؤولين عن الحج قد أرسلوا بعثة للاطلاع على تجربة الصين في التحكم و إدارة الحشود في بكين حيث الألعاب الأولمبية، و لا عجب أن نعرف أن الفيزياء تفيدهم هناك أيضا!


--- هوامش --

** الفيزيائيان هما: Dirk Helbing و Anders Johansson. و توجد نسخة مجانية من البحث الذي قاما به في أرشيف الأبحاث العلمية من مكتبة جامعة كورنيل على الرابط التالي: http://arxiv.org/abs/physics/0701203





الفيزياء و الاقتصاد و النمو الاقتصادي

هناك الاقتصاد الوطني، و هناك علم الاقتصاد. و كلاهما يتأثر بالفيزياء!
الاقتصاد هو عصب نمو الدول. و قد كان للفيزياء -و ما زال- أثرا كبيرا في تطوير الاقتصاد -من الجانب النظري و الواقعي-، فعلم الاقتصاد يستفيد من النظريات التحليلية التي تقدمها الفيزياء الإحصائية؛ و ذلك في دراسة قضايا عديدة كالتضخم و سوق الأسهم و المضاربات و غير ذلك.

فعلى سبيل المثال، قام ثلاثة علماءٌ فيزيائيون-اقتصاديون من سويسرا و الصين باستخدام طرق فيزيائية إحصائية و باستخدام نظرية التركيب/التعقيد، لوضع أنموذج رياضي علمي يقوم بتحليل تذبذب سعر النفط الحاصل منذ العام ٢٠٠٦م و حتى تاريخ نشر بحثهم في العام ٢٠٠٨م. و بناء على دراساتهم؛ بيّن أولئك العلماء أن سبب ارتفاع أسعار النفط هو المضاربات السوقية (و هو ما تقرّه دول أوبك و على رأسها السعودية)، و ليس زيادة الطلب على النفط من قبل الدول الصاعدة اقتصاديا كالصين (و هو ما تدعيه الدول الكبرى كأمريكا و بريطانيا)

و من الناحية الواقعية، فإن اقتصاد الدول -في العرف الغربي- يعتمد على سوق الابتكار و التقنية لكي يتقدم و لكي يصبح اقتصادا متينا قويا. و تلك الابتكارات و التقنيات هي امتداد للفيزياء باعتبارها العلم الأساس بين العلوم الطبيعية التي تنتهج المنهج العلمي في تقدمها. و هذا المنهج العلمي نابع عن الفيزياء باعتبارها العلم الطبيعي الأساس.

على سبيل التمثيل لا الحصر، في بريطانيا، ارتفع عدد المصانع ذات الأساس الفيزيائي Physics-Based Industry بنسبة ١٦٥٪ ما بين العام ١٩٨٩م و العام ٢٠٠٠م (أي أحد عشر عاما فقط)، و هو ما زال في ازدياد في جميع أنحاء العالم المتقدم و تحديدا في ظل التقدم الهائل في الصناعة الفيزيائية المرتبطة بالتقنية النانوية (النانوتكنولوجي)، و الأجهزة الطبية، و تقنيات الاتصالات، غيرها من المجالات.

بل إن المملكة العربية السعودية تطمح للمشاركة في تطوير الصناعة الفيزيائية بدعمها للتقنية النانوية (النانوتكنولوجي) في الجامعات و مراكز البحث، و كم ستكون الفائدة أعم إن هي دعمته صناعيا و تجاريا أيضا. و قد انتهجت المملكة هذا النهج لتبنيها الحالي لسياسة الاقتصاد القائم على المعرفة.

و لكن ينبغي أن نشير من باب الموضوعية أنه ليست جميع مجالات الفيزياء تساهم في التطوير و التنمية بشكل مباشر. بل إن بعض فروعها التطبيقية -تحديدا- هي التي تؤثر مباشرة في الاقتصاد، و أما فروعها الأساس (و التي تهدف إلى فهم الطبيعة بدافع الفضول) فإن أثرها على التطوير و التنمية يكون بعيد المدى، و ليس آنيًّا/لحظيًّا.

و نعود فنقول إن ما يميز الفيزياء عن غيرها من المجالات هو شموليتها و وفرة وسائلها و صلاحية منهجها و قابليته للتطبيق في شتى المجالات. و هذا ما يفسر جذب سوق العمل (القطاع المالي) في بريطانيا و غيرها من الدول المتطورة، لخريجي العلوم الطبيعية، و خصوصا المتفوقين منهم، لما يملكون من مهارات تحليلية--وفقا لإحدى المقالات في جريدة الانديبندنت The Independent. و ليس ذلك بعجيب، فهذا العلم يدرس الطبيعة و كل ما نستطيع أن نحسه بحواسنا الخمس! و هذا هو سر تلك الشمولية.

نخلص إذن إلى أن الدول التي تطمح إلى الريادة و السيادة لا يمكن لها أن تحقق ذلك إلا إذا دعمت الفيزياء بمختلف فروعها، شريطة أن لا تنغلق على نفسها لأن العلوم الأساس و خصوصا الفيزياء، تحتاج إلى تعاون عالمي لكي يتحقق التقدم و الإنجاز المرجو.

الفيزياء و الطب و علوم الأحياء

إذا كان الطب و علوم الأحياء -الدقيقة و ما دونها و ما فوها- مدين إلى علم ما بوحوده و تطوره المطرد، فإنها مدينة حتى النخاع للفيزياء! فلو تخيلنا الطب دون فيزياء لعدنا إلى طب ما قبل مئات السنين!

دعونا نبدأ من أشعة أكس (الأشعة السينية) التي اكتشفها عالم فيزيائي بالصدفة، ثم بعد دراستها باستفاضة باعتبارها نوع جديد من الإشعاعات، تم استخدامها في الطب كما نعرف جميعا للكشف عمّا داخل الجسم. و لا يمكننا أن نتصور الطب اليوم دون أشعة أكس.

هناك أنواع مختلفة من الأشعة الكهرومغناطيسية -أشعة جاما- تستخدم في علاج الأورام، و الموجات الصوتية للكشف عما بداخل الجسم أيضا، و تفتيت الحصوات، و تصوير الجنين، و غير ذلك.

هناك التصوير بالرنين المغناطيسي. و هو مرتبط بنظرية فيزيائية تسمى ميكانيكا الكم -و هي نظرية عجيبة مثيرة للجدل لما لنتائجها من تفسيرات غريبة لا تتوافق مع ما اعتدنا عليه في حياتنا- و تحديدا بشيء يسمى لف/غزل الالكترونات الموجودة في ذرات المخ أو غيره. و قد نعجب إن علمنا أنه ما زال بعض الناس -و منهم كثير من العرب و المسلمين- لا يؤمنون بوجود الالكترونات، بل و يهمشون ميكانيكا الكم لغرابتها.

و على الرغم من غرابة ميكانيكا الكم التي تقول أن الجسيمات لها خصائص موجية (مرتبطة باحتمالات و إحصاءات) بمعنى أن جسيما أوليا كالالكترون قد يوجد في مكانين في الوقت نفسه! على الرغم من ذلك؛ فإن النظرية خرجت بتطبيقات عظيمة -كالحواسب (الكمبيوترات)، و أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي التي أشرنا إليها- و لم يعرف حتى اليوم أي تناقض بين تلك النظرية و بين النتائج و الاختبارات التجريبية.

إن تطور التقنية و تحديدا التقنيات الطبية؛ ناتج بشكل مباشر عن تطبيقات فيزيائية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن علوم الأحياء الدقيقة و ما دونها ما كان ليكون لولا فضل الله ثم أجهزة المجهر التي تمكنهم من تكبير صورة تلك المخلوقات حتى تصبح مرئية للعين المجردة. فضلا عن استخدام أشعة أكس في استكشاف بنية الخلية و تحديدا “الدي إن أي” (الدنا DNA) الذي اكتشفه عالمان فيزيائيان.

أخيرا و ليس آخرا، الليزر و هو أحد المنجزات الفيزيائية التي ظهرت فغيرت العالم الصناعي و التقني و الطبي. فالعمليات الجراحية الدقيقة تستخدم الليزر كمشرط أكثر دقة من يد الإنسان بآلاف المرات! و كذلك في شق عدسة العين لتعديل النظر (الليزك)، و غيرها من التطبيقات.

و لكن، نختم بعرض الحقيقة التي تشير إلى أن تطوير الطب ليس من أهداف الفيزياء! بل إن هدف الفيزياء هو استكشاف الطبيعة من حولنا و تفسير ظواهرها ثم الاستفادة منها في تطبيقات تخدم الإنسان، و هو ما يحصل على الدوام لمختلف المجالات التي تستفيد من الفيزياء و استكشافاته.


الفيزياء و مصادر الطاقة

سأبين لك أيها القارئ و أيتها القارئة في هذه المقالات كيف ترتبط الفيزياء -بمختلف فروعها (مواد، نووية، طاقة متجددة، جسيمات أولية، فلكية، طبية، إلخ)- بحياتنا، و كيف أدى التقدم في علم الفيزياء إلى الرقي بالأمم حضاريا و فكريا و اقتصاديا و تقنيا و عسكريا!

هل يبدو هذا مبالغ فيه؟ ربما، غير أننا إذا علمنا أن الهدف من الفيزياء هي دراسة الطبيعة و تفسير ظواهرها و ربط بعضها ببعض، و الاستفادة منها في تطبيقات تفيد البشرية؛ فربما أننا سنتأكد أن ارتباط الفيزياء بكل شيء مادي في حياتنا ليس مبالغا فيه.

لن ألتزم بتسلسل تاريخي، بل سأتحدث عن الطاقة الشمسية، التي تعد مصدرا لا ينضب للطاقة -نظرا لعمر الإنسان القصير مقارنة بعمر الشمس-.

تبدأ القصة من عند النفط. إذ إننا نعلم أن النفط له فوائد كثيرة. فالكهرباء و السيارات و الطائرات و المصانع تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال استخدام النفط. غير أن النفط يتسم بمعايب كثيرة و خطيرة. منها أنه يسبب التلوث الجوي المؤدي إلى تغير مناخ الأرض فيما يعرف بالاحتباس الحراري، بالإضافة إلى كونه مصدر قابل للنضوب في أي زمن ما بين ٤٠ إلى ١٠٠ سنة من الآن. فضلا عن تسببه في عدد من الحروب!

و هذا ما دعا العلماء إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، تغنينا عن النفط.

لذلك، فإن علماء الفيزياء، عملوا حتى توصلوا إلى طريقة لاستخدام مواد خاصة تسمى بأشباه الموصلات -كالسيليكون و الجرمانيوم و غيرها من عناصر و مركبات كيميائية- في تحويل جزء من طاقة الشمس التي تسقط على ذلك النوع من المواد إلى كهرباء. و هذه المواد تُركـَّب فيما يسمى الخلايا الشمسية. و على الرغم من المصاعب التي تواجه هذا المجال البحثي الذي يهدف في النهاية إلى الوصول إلى أعلى كفاءة لنقل أكثر الطاقة الساقطة من الشمس على الخلايا الشمسية إلى كهرباء دون فقدٍ كبيرٍ لتلك الطاقة. و الذي قد يحصل بسبب القصور التقني لتلك الخلايا الشمسية.

في وقتنا الحاضر، توفر كثير من الشركات في الدول الغربية خدمة تركيب منظومة شمسية في البيوت و المباني التي تريد أن تستبدل الطاقة الشمسية بالكهرباء المتولدة عن مولدات الكهرباء التابعة للدولة أو لشركات الكهرباء. و هي و إن كانت باهظة الثمن بعض الشيء فإن انتشارها فيا لمستقبل سيؤدي حتما إلى خفض أسعارها لتتوفر لأكثر الناس.

بالطاقة الشمسية، نستطيع أن نترك الاعتماد على شركات الكهرباء على الإطلاق. غير بعض الأمور التقنية و الفنية التي ربما نحتاجها في أول الأمر أو بعد كل خمسة عشر عاما -و هو متوسط عمر الخلايا الشمسية-. إذ نعتمد في تشغيل الإضاءة و التكييف و التلفاز و الهاتف و جميع الأجهزة الإلكترونية و الكهربائية في المنزل على طاقة الشمس.

قد يسأل ساءل: ماذا عن الليل؟ و الجميل أن المنظومة الشمسية تشتمل على أجهزة تخزين للطاقة -كالبطاريات- التي تقوم بمهمة تزويد المبنى بالطاقة الكهربية في الليل.
و قد يسأل ساءل: ماذا عن المناطق التي تكثر فيها السحب؟ و الإجابة هي أن الخلايا الشمسية لا تحتاج للتعرض المباشر لأشعة الشمس.

الاستفادة من الطاقة الشمسية هي من بنات أفكار علماء الفيزياء التطبيقية. و امتدت دراسته إلى الهندسة التي تهتم بتصميم الدوائر و التركيبات باعتبارها أجزاء رئيسة في عملية استغلال الطاقة الشمسية. و العلماء في سعي حثيث لتطوير هذه التقنية حتى تصبح بديلا تاما للنفط في المستقبل القريب إن شاء الله.

أخيرا، إن كان ينبغي لنا باعتبارنا دولة مصدرة للنفط أن نخشى من شيء فهو أحد أمرين: إما نضوب النفط قبل أن نطور تقنيات بديلة للحصول على الطاقة، أو وصول الغرب إلى التقنيات التي تسمح لهم بالتخلي التام عن النفط!

مقدمة١-ينبغي أن تدرك!

هذه المقالات موجهة إلى جميع فئات المجتمع، للوزير، و مدير الجامعة، و مدير الشركة، و المسؤول الحكومي، و الطبيب، و الطالب، و الموظف، و الأمير، الشيخ و العالم، و ولاة الأمر، و كل من يقرأ الصحف، و كل من يرجو التثقف! 

و لا أزعم أنني صاحب العلم و الثقافة، و لكنني أريد أن أشارك بعض المعرفة التي تعلمتها و ما زلت أتعلمها مع الجميع، و أنا أول المستفيدين منها بالتأكيد.

لست أهدف إلى تقديم نصائح، أو نقد واقع، أو طلب منصب أو استفتاء، أو اشتكاء الحال أو الصحة. بل أريد أن أخبركم عن ما تعلمته -و تعلمه غيري- و أن أنقل لكم تجربة إنسانية أدت إلى تغيير معالم العالم، و إلى تغيير المفاهيم الاجتماعية، و إلى نشوء الحضارة العصرية التي يسميها بعضنا (الحضارة المادية).

سأبدأ و أنتهي بالحديث عن العلوم الطبيعية و أثرها في ما سبق ذكره. و سأعرف العلوم الطبيعية بأنها المجالات العلمية الأساس التي تدرس الطبيعة بما فيما من أحياء و جوامد. المجالات التي تدرس كل ما هو محسوس (باللمس أو النظر أو الذوق أو الشم أو السمع) أو ما له أثر محسوس (أشعة المايكرويف لا نراها و لكن أثرها ظاهر في تسخين الأكل!). و من تلك المجالات: الفيزياء (و هي أساس العلوم، و لها فروع كثيرة بعضها مستقل عن الآخر)، و الكيمياء، و علم الأحياء و علم الأرض و علم الفلك . و ينبغي أن نعلم أن لغة العلوم هي الرياضيات، و تحديدا العلوم التي تهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية من حولنا و الاستفادة منها (كالفيزياء و الكيمياء، و علم الأرض، إلخ).

إن كل ما تراه حولك من تقدم صناعي و تقني قوامه العلوم الطبيعية. و هي قوام كل تطور اقتصادي و تنموي و عسكري. لا تظن أن هذا كثير أو مبالغ فيه. لأن هدف تلك العلوم هو فهم الطبيعة من حولنا و الاستفادة منها، و إن كان الأول هو أوثق من الآخر.

إن العلوم الهندسية مبنية على العلوم الطبيعية، و تطور العلوم الطبيعية المستمر يفتح آفاقا جديدة للهندسة التي تعد الشق التطبيقي الصرف للعلوم الطبيعية.

و التطور الطبي الذي يشهده العالم قوامه العلوم الطبيعية، فالأجهزة و الأدوية كلها تطور من قبل علماء طبيعيون و لا أدل على ذلك من انحصار جائزة نوبل على علماء طبيعيون و ليس اخصائيون في الجراحة أو استشاريون، و دور هؤلاء الأخيرون هو استخدام ما توصلت إليه العلوم الطبيعية.

النمو الاقتصادي، يلزمه ثروة تنموية و صناعية و تقنية. فمصادر الطاقة و على رأسها النفط هي محط بحث العلماء الطبيعيون الذين يقومون باستشكاف الطرائق الصحيحة لاستخدام مصادر الطاقة و الاستفادة منها. و سوق العمل في مصادر الطاقة و غيرها من التقنيات الاستهلاكية و المعلوماتية هي أساس النمو الاقتصادي.

و ها قد بينت دور العلوم الطبيعية في بعض مجالات الحياة. فإنني سأبين في المقالات القادمة إن شاء الله كيف تقوم العلوم الطبيعية بهذا الدور. و سأبدأ بالفيزياء منها تحديدا لأنه الأشد أثرا، و لأنه آصلها، ثم لأنها مجالي التي أنا متخصص فيه، و لكي أترك المجال لغيري من أهل العلوم الأخرى بالإدلاء بدلوهم في هذا الموضوع.